العناوين

        

كوبا والولايات المتحدة الأميركية هل بدأت رحلة التغيير؟

بقلم العقيد المتقاعد الدكتور أحمد علو

في العشرين من شهر آذار الماضي قام الرئيس الأميركي باراك أوباما بزيارة تاريخية إلى كوبا، وهي الأولى التي يقوم بها رئيس أميركي للجزيرة منذ العام 1928. وقد جاءت الزيارة تتويجًا لعودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ورمزًا لاستعادتها الدفء والحيوية، بعد انقطاع استمر لنحو خمسة عقود ونصف، ساد خلالها العداء والخصومة والتوتر.

بين بلاد الثورة وبلاد العمّ سام

قطعت الولايات المتحدة علاقاتها بكوبا في مطلع ستينيات القرن العشرين، وفرضت حظرًا على التجارة معها، وكان ذلك عقب قيام الثورة الكوبية وتسلّم فيدل كاسترو السلطة ووقوفه في معسكر الاتحاد السوفياتي السابق.

في العام 2014 أعلن الرئيس أوباما عن بداية خطوات جديدة نحو تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع كوبا. وجاء ذلك بعد أكثر من سنة من المفاوضات السرية بين الجانبين في كندا وفي الفاتيكان حيث شارك فيها البابا فرنسيس بنفسه. وفي آب 2015 استأنفت السفارة الأميركية عملها في العاصمة الكوبية هافانا بعد شهر واحد من استئناف السفارة الكوبية عملها في واشنطن.

وتتضمن خطط التطبيع مراجعة الولايات المتحدة تصنيفها لكوبا كدولة راعية للإرهاب، وتخفيف القيود على سفر الأميركيين إليها، وتخفيض القيود المالية المفروضة عليها، وتكثيف الاتصالات بين البلدين، إضافة إلى جهود تستهدف رفع الحظر التجاري.

الجغرافيا والسكان والموارد

كوبا هي عبارة عن أرخبيل من الجزر الواقعة شمال البحر الكاريبي الفاصل ما بين أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، عند التقاء خليج المكسيك مع المحيط الأطلسي.

تحمل الجزيرة الرئيسة في الأرخبيل اسم كوبا، وتحيط بها أربع مجموعات من الجزر الأصغر حجمًا، وهي تشكل بمجموعها دولة كوبا التي تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 110.860 كم2، وعاصمتها هافانا أكبر مدنها.

يفوق عدد سكان كوبا الـ 11مليون نسمة وفق أحصاءات تموز 2015 (كتاب سي آي إي - حقائق العالم). وهم خليط من الأعراق والإتنيات ويتوزعون اليوم وفق ما يأتي: 64.1 % من البيض، 26.6% ميتيزو (خليط من البيض والسود)، و9.3% من السود. يعيش نحو 77% من الشعب الكوبي في المدن والباقي في الأرياف. وتعتبر الهجرة السرية للسكان إلى الولايات المتحدة، إحدى المشاكل التي كانت قائمة طوال فترة الحكم الاشتراكي ومازالت حتى اليوم.

كوبا هي الدولة الثانية في العالم من حيث إنفاقها على التعليم (13% من الدخل القومي)، ونسبة المتعلمين فيها نحو 99.8%. أما اللغة الرسمية في البلاد فهي الإسبانية.

النيكل أهم الموارد المعدنية في كوبا، حيث تمتلك منه ثاني أكبر احتياطي في العالم بعد روسيا. وهي أيضًا خامس أكبر منتج في العالم للكوبالت المكرر. وقد بيّنت حملات التنقيب الأخيرة أن لديها ما بين 4.6 مليار و9.3 مليار برميل من النفط.

الاقتصاد

تلتزم الدولة الكوبية إلى حد كبير مبادئ الاشتراكية في تنظيم اقتصادها، وتعود ملكية معظم وسائل الإنتاج للدولة، كما تتركز القوى العاملة بمعظمها في القطاع العام. لكن السنوات الأخيرة شهدت اتجاهًا نحو المزيد من توفير فرص العمل في القطاع الخاص.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، اتخذت كوبا تدابير محدودة للتوجه نحو اقتصاد السوق الحرة ومواجهة النقص الحاد في المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والخدمات. شملت هذه الخطوات السماح بالعمل في بعض قطاعات الصناعات التحويلية وتجارة التجزئة الخفيفة، وإضفاء الصفة القانونية على استخدام الدولار الأميركي في مجال الأعمال التجارية، وتشجيع السياحة. كما طورت نظامًا فريدًا للمزارع للتعويض عن توقف الواردات الغذائية من الاتحاد السوفياتي.

في السنوات الأخيرة، تمّ التراجع عن بعض التدابير الاقتصادية التي اتخذت في التسعينيات. وفي العام 2004، أبدى المسؤولون الكوبيون دعمهم للعملة الأوروبية الموحدة (اليورو) لكونها ندًا عالميًا للدولار الأميركي، الذي أوقفت التعامل به في المتاجر والشركات.

في العام 2005، بلغت صادرات كوبا 2.4 مليار دولار أميركي، بينما كانت وارداتها 6.9 مليار دولار. أما جهات التصدير فهي: الصين 27.5% وكندا 26.9% وهولندا 11.1% وإسبانيا 4.7% (2007). وتشمل صادرات كوبا الرئيسية السكر (كانت الأولى عالميًا لكن انتاجها منه تراجع بشكل حادّ)، والنيكل (6.4% من السوق العالمية، ونحو 25% من إجمالي الصادرات الكوبية)، وكذلك التبغ (السيجار الفاخر) والأسماك والمنتجات الطبية والحمضيات والقهوة.

أما الواردات فتشمل، المواد الغذائية والملابس والآلات والوقود، وقد كان هوغو شافيز رئيس فنزويلا السابق يزوّد كوبا نحو 80.000 برميل من النفظ يوميًا، في مقابل عمل 30.000 من الأطباء والمرضين والمدرسين الكوبيين في بلاده.

القوات المسلّحة

تأسس الجيش الكوبي في العام 1960، وبفضل دعم الإتحاد السوفياتي، كان ثاني أكبر قوة مسلحة في أميركا اللاتينية بعد البرازيل (بين منتصف السبعينيات وأواخر الثمانينيات). ولكن مع غياب هذا الدعم، خفضت كوبا قواتها المسلحة من 235.000 جندي في العام 1994 إلى نحو 90.000 جندي فقط في العام 2015، وتوجّهت نحو الصين لتحديث تجهيزات الجيش.

عودة إلى التاريخ

خلال رحلاته الاستكشافية، وصل كريستوفر كولمبوس إلى كوبا في العام 1492، وقام بضمها إلى المملكة الإسبانية. بعد خمسة قرون تمردت المستعمرات الإسبانية في أميركا اللاتينية، ونالت استقلالها. أمّا كوبا التي بقيت على ولائها لإسبانيا، فقد شهدت في العام 1868 تمرّدًا ضدّ القوى المستعمرة، ما أسفر عن صراع طويل الأمد عرف باسم حرب السنوات العشر. انتهى الصراع بمعاهدة زانخون التي وعدت إسبانيا بموجبها بالمزيد من الحكم الذاتي لكوبا.

في العام 1886، ألغي نظام الرق، وعلى الرغم من ذلك، ظلت الأقلية ذات الأصل الأفريقي في كوبا، تعاني الظلم الاجتماعي والاقتصادي.

في تسعينيات القرن التاسع عشر، تجددت الدعوات التي تنادي بالاستقلال، بسبب الاستياء من القيود الإسبانية المفروضة على التجارة الكوبية، والعداء المتزايد للإدارة الإسبانية ولسياستها القمعية ولعدم وفائها بتنفيذ بعض بنود الإصلاح الاقتصادي وفق معاهدة زانخون.

وفي العام 1892، أسس المنشق خوسيه مارتي الحزب الثوري الكوبي في منفاه في نيويورك، وذلك بهدف تحقيق استقلال بلاده. بعد ثلاثة أعوام بدأ القتال ضد الجيش الإسباني (شباط 1895). وردّت إسبانيا بحملة جديدة من القمع، إذ حاصر الجنرال فاليريانو فيلر الحاكم العسكري لكوبا سكان المناطق الريفية في مخيمات (ريكونسينترادوس) اعتبرت نموذجًا أوليًا لمعسكرات الاعتقال في القرن العشرين. وقد لقي ما بين 200 إلى 400 ألف مدني كوبي حتفهم من الجوع والمرض فيها، وفق إحصاءات الصليب الأحمر.

احتجت الولايات المتحدة وأوروبا على السياسة الإسبانية في الجزيرة، وكان ما حصل دافعًا لدخولها الحرب ضد الإسبان.

الحرب الأميركية الإسبانية

في 25 كانون الثاني 1898 وصلت البارجة الأميركية مين إلى هافانا لتوفير الحماية لـ8000 أميركي مقيم في الجزيرة، لكن الإسبان رأوا في ذلك تهديدًا لهم. وفي مساء 15 شباط 1898، تمّ تفجير البارجة في الميناء، ما أسفر عن مقتل 260 شخصًا من طاقمها. وتحت وطأة غضب الجماهير الأميركية التي طالبت بالرد، أقرّ الكونغرس الأميركي قرارًا يدعو إلى التدخل، فتبادلت كل من إسبانيا والولايات المتحدة إعلان الحرب في أواخر نيسان 1898. انتهت الحرب في آب من العام نفسه بـ«معاهدة باريس 1898» التي تنازلت إسبانيا بموجبها عن بورتوريكو والفيليبين وغوام لمصلحة الولايات المتحدة مقابل 20 مليون دولار. وبموجب هذه المعاهدة أيضًا، تخلت إسبانيا عن سيادتها الكاملة على كوبا للولايات المتحدة التي تحولت إلى قوة عظمى.

انتخب ثيودور روزفلت الذي شارك في الحرب الأميركية - الإسبانية والمتعاطف مع حركة الاستقلال الكوبية، رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية في العام 1901، فألغى المعاهدة ومنح كوبا رسميًا الاستقلال عن الولايات المتحدة ( 20 أيار 1902) تحت اسم جمهورية كوبا. منح دستور كوبا الجديد، الولايات المتحدة صلاحيات واسعة في كوبا بما في ذلك الإشراف على شؤونها المالية وعلاقاتها الخارجية. وبموجب تعديل «بلات»، استأجرت الولايات المتحدة قاعدة «خليج غوانتانامو» البحرية في كوبا.

في العام 1906 انتخب توماس استرادا بالما أول رئيس لكوبا، إلا أنه واجه تمردًا مسلحًا من قبل قدامى المحاربين في حرب الاستقلال الذين انتصروا على القوات الحكومية، فتدخلت الولايات المتحدة واحتلت كوبا وعيّنت تشارلز إدوارد ماغون حاكمًا للبلاد التي أعيد لها الحكم الذاتي بعد عامين عندما انتخب خوسيه ميغيل غوميز رئيسًا، لكن الولايات المتحدة واصلت التدخل في الشؤون الكوبية.

في العام 1950 بدأت انتفاضة مسلّحة هدفها إحداث تغيير سياسي في البلاد. نالت الانتفاضة تأييدًا شعبيًا، وخلال العام 1956 حاول فيدل كاسترو مع حوالى 80 من المؤيدين له، التمرّد على حكومة الرئيس باتيستا الموالي للولايات المتحدة. وبحلول أواخر العام 1958 توسعت الانتفاضة الشعبيّة، وانتهت بفرار باتيستا إلى جمهورية الدومينيكان، وتسلّم فيدل كاسترو السلطة في العام 1959.

خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، أرسل كاسترو عشرات الآلاف من الجنود لمساندة الثورات المدعومة من الاتحاد السوفياتي في أميركا الوسطى والجنوبية وأفريقيا، وفي بعض الدول العربية.

استمر حكم كاسترو في كوبا طوال 50 سنة، كان خلالها خصمًا عنيدًا للولايات المتحدة وصديقًا للاتحاد السوفياتي. وفي 24 شباط من العام 2008 تنازل عن الحكم بسبب المرض والشيخوخة، لأخيه الأصغر ووزير الدفاع راؤول كاسترو.

قاعدة غوانتانامو

خلال الحرب الأميركية - الإسبانية (العام 1898) انشأت الولايات المتحدة قاعدة بحرية في غوانتانامو (جنوب شرق جزيرة كوبا) لحماية سفنها من الإعصارات الأطلسية التي تضرب الجزيرة في فصل الصيف. في العام 1903 استأجرت الموقع بموجب عقد رسمي. وتحوّلت القضية إلى نزاع بعد قيام الثورة الكوبية ومطالبة كاسترو برحيل الأميركيين عن الجزيرة، الأمر الذي لم يحصل حتى اليوم.

تعتبر قاعدة غونتانامو أول قاعدة بحرية أميركية في العالم خارج الأراضي الأميركية، وتبلغ مساحتها نحو 116 كلم2. وقد سيجت بنحو 55 ألف لغم من الجانب الأميركي (في العام 1996 أمر الرئيس الأميركي كلينتون باستبدالها بأجهزة رصد واستشعار)، كما أقام الكوبيون من جهتهم ما عرف بـ«ستار الصبّار» Cactus Curtain بين البرّ الكوبي الرئيس والقاعدة الأميركية، لمنع الكوبيين من التسلل والهروب إلى المعسكر الأميركي. وكان ذلك في فترة الحرب الباردة ما بين المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي، وعلى غرار «الستار الحديدي» في أوروبا و«ستار البامبو» بين الصين وبعض دول شرق آسيا، و«ستار الجليد» بين روسيا والولايات المتحدة في مضيق بهرنغ.

استخدم معسكر غوانتانامو في تسعينيات القرن الماضي كمعزل لمرضى الإيدز وتجمّع للاجئين من جزر البحر الكاريبي. وبعد أحداث 11 أيلول 2001 أقيم في القاعدة سجن لاحتجاز المتهمين بجرائم الإرهاب والاعتداء على أمن الولايات المتحدة الأميركية.

في العام 2009 أمر الرئيس الأميركي أوباما بإغلاق السجن، ولكن الأمر لم ينفذ حتى اليوم بسبب عدم موافقة الكونغرس الأميركي على ذلك.

خليج الخنازير وأزمة الصواريخ و«النمس»

قامت الولايات المتحدة بتدريب عناصر معارضة لنظام فيديل كاسترو شاركت بعملية عسكرية لغزو الجزيرة عرفت بـ«غزو خليج الخنازير» (17 نيسان 1961)، لكن العملية باءت بالفشل.

بعد عام من ذلك، قامت كوبا وبالتعاون مع الاتحاد السوفياتي الذي كانت تربطه علاقات وثيقه مع النظام الكوبي، ببناء قواعد للصواريخ النووية السوفياتية فوق الأراضي الكوبية، وبذلك أصبحت الاراضي الأميركية في مرمى الصواريخ السوفياتيه النووية.

كان الهدف الأساسي لنشر السوفيات للصواريخ في كوبا هو الرد على نشر الولايات المتحدة للصواريخ في تركيا، والتي كانت تهدد موسكو، بالاضافة لنشرهــا صواريــخ في إيطاليــا، وبذلــك بــدأت أزمــة هددت العالــم بحــرب نوويــة وشيكــة.

انتهت الأزمة باتفاق اميركي- سوفياتي على سحب الصواريخ السوفياتية من كوبا مقابل سحب الصواريخ الأميركية من تركيا ورفع الحصار البحري عن كوبا، وبإنشاء خط نووي ساخن بين واشنطن وموسكو.

مع حلول العام 1963، كانت كوبا تتجه نحو نظام شيوعي كامل على غرار الاتحاد السوفياتي، مما دفع الولايات المتحدة إلى فرض حظر دبلوماسي وتجاري شامل عليها، وإلى استهداف نظامها من خلال عملية استخباراتية عرفت بـ«عملية النمس».

رحلة التغيير

يبدو أن كوبا اليوم قد بدأت رحلة التغيير والعودة إلى النظام العالمي والسوق الحرة في ظل التخفيف من عبء الأفكار والممارسات الاشتراكية في سياساتها الداخلية، وإطلاق بعض الحريات السياسية والإقصادية والدينية تدريجيًا (بخاصة بعد زيارة البابا يوحنا بولس الثاني لها في العام 1998). وقد تكون زيارة الرئيس الأميركي أوباما لها في آذار الماضي، تتويجًا لانطلاق مرحلة جديدة مختلفة من العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية والعالم.

المصدر: مجلة الجيش اللبناني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

الامن الوطني العربي نافذة تطل على كل ما يتعلق بالعالم العربي من تطورات واحداث لها ارتباط مباشر بالمخاطر التي تتهددنا امنيا، ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا... 

           

للتواصل معنا

للتواصل مع ادارة موقع الامن الوطني العربي

editor@nsaforum.com

لاعلاناتكم

لاعلاناتكم على موقع الامن الوطني نرجو التواصل مع شركة كايلين ميديا الوكيل الحصري لموقعنا

editor@nsaforum.com