العناوين

        

أبعد من أدوات الإنقلاب: حقائق ومحاذير

بقلم العميد الركن خالد حمادة

نجح الرئيس رجب طيب أردوغان وفشل الفريق الآخر.... تركيا الدولة العضو في مجموعة العشرين والواجهة الجنوبية لحلف الأطلسي، صاحبة الجغرافيا الفريدة التي تسيطر على أهم المضائق البحرية وبلد التواصل بين الشرق والغرب  والممر الإلزامي لشبكة من أنابيب الطاقة. في هذا البلد المحوري ذي المقومات الجيوسياسية الفريدة، لا يُسأل عن الإنقلابيين لأي مؤسسة ينتمون، عسكرية أم مدنية، هل هم علمانيون أم إسلاميون متشددون، لا فرق...

الإنقلاب لم يأتِ في سياق تصعيد سياسي ناتج عن أزمة داخلية، كما لم يُعبّر في أيّ من بياناته عن موقف رافض للمصالحة مع روسيا أو إسرائيل، إنقلاب ارتكز جهده الرئيس على القوات الجوية، ومن بينها قاعدة إنجرليك (أوقف قائدها)، التي يتشارك فيها المهام وغرف العمليات والإقامة طيارون أتراك وأميركيون منذ سنوات، وبالأخص بعد تشكيل التحالف الدولي لقيادة العمليات في الداخل السوري...!!! في تركيا لا تصاغ الإنقلابات إلا في كنف دوائر القرار الدولية والإقليمية. الأيام القادمة ستكشف حكماً الكثير من الحقائق التي تقودنا إلى الجهات التي تقف وراء الإنقلاب  والسياقات المرافقة له.

لا يمكن إدراج الإنقلاب الفاشل إلا في خانة ضمّ تركيا إلى دائرة لعبة الأمم فوق رقعة الشرق الأوسط المُثقل بالصراعات والعصي على الإستقرار. النجاح في اعتقال أردوغان أو اغتياله كان كفيلاً بإشعال حرب أهلية لسنوات طويلة  قوامها انقسام داخلي في القوات المسلّحة، حرب قادرة على إذكاء وتوزيع كلّ صنوف الفتن على المنطقة برّمتها. ومع عدم إغفال العوامل المذهبية التي لعبت دوراً في تجنيد العديد من القادة الإنقلابيين فإنّ الأمر لا يُثار هنا من زاوية الحفاظ على الإطار الثقافي الجامع ولا من حيث التاريخ المشترك والمتفاعل، ولكنه يثار من زاوية المنعة أي من زاوية الأمن الإقليمي وشروط توافره وفق ما تمليه حقائق الجغرافيا السياسية.

عناصر القوة الإضافية التي امتلكتها تركيا ما بعد الإنقلاب ستنتج حقائق جديدة على المستوى الداخلي  والإقليمي كما ستطرح مجموعة من المحاذير:

أولاً: في الحقائق:

1- إنضواء الجيش التركي بشكل نهائي تحت مظلّة المؤسسة السياسية لحزب العدالة والتنمية وانتهاء الإزدواجية ما بين العلمانية المتمثّلة بالقوات المسلّحة والإسلام السياسي المتمثّل بنظام الحكم، وبمعنى آخر نجاح حزب العدالة والتنمية في استيعاب المكوّن العلماني وإدخاله في النظام السياسي ليكرّس نموذجاً قابلاً للتعميم.

2- تعزيز ثقل تركيا الموحّدة حول رئيسها لدى حلف شمال الأطلسي وتثبيت دورها كلاعب إقليمي قوي إن لم يكن الأقوى في الصراعات الدائرة على الساحات السورية والفلسطينية وجزئياً العراقية وكمرجعية لكافة فصائل الإسلام السياسي السياسية منها والعسكرية.

3- دخول الحرب السورية مرحلة جديدة إذا استمر إقفال طريق التموين الرئيسية الممتدة من حلب نحو الداخل التركي (طريق الكاستيللو)، وهذا كان أحد شروط المصالحة التركية الروسية، لتمكين روسيا من الدخول إلى جولة جديدة من المفاوضات في جنيف، بمعنى امتلاك أوراق جديدة في الميدان تعزز فرص نجاح المفاوضات. 

4- إنهاء مسألة الإستقلال الذاتي للأكراد والتضييق على نشاطهم المسلّح في شمال سوريا كنتيجة حتمية لتمكين الروس والنظام السوري في حلب. وفي هذا المجال يصبح بحث مصير الأسد على خلفية ضمان المصالح الروسية أمراً ممكناً، مما يعني تحقيق المطلب السياسي الأكبر للمعارضة السورية وللمملكة العربية السعودية المتمثّل بإقصاء الأسد خلال أو عند انتهاء المرحلة الإنتقالية تنفيذاً للقرار الدولي 2254.

ثانياً: في المحاذير التي قد تواكب مرحلةً ما بعد الإنقلاب:

1- إساءة التعامل مع الأحزاب المعارضة التي تضامنت مع الرئيس أردوغان لمواجهة الإنقلاب نصرةً لنتائج الإنتخابات وللديمقراطية وإقصاؤهم عن دائرة المشاركة السياسية وتوسيع حملة الإعتقالات والمحاكمات الميدانية مما يفتح نافذة كبيرة على الرئيس ونظامه ويأخذه بعيداً نحو مزيد من الإستبداد والتفرد.

2- إرتفاع مستوى المخاطر نتيجة صعود تركيا كقطب قوي في حين ترغب كلّ من الولايات المتّحدة وروسيا التعامل مع شريك ضعيف. 

3- إرتفاع درجة المخاطر على استقرار إيران والتي تعززها الأزمة السياسية المستحكّمة في البلاد على خلفية إزدواجية الموقف من توقيع الإتفاق النووي والتعثّر المستمر للإقتصاد الإيراني وبروز ميل كبير لدى الغرب للعبث بالداخل الإيراني وهذا ما ظهر في مهرجان باريس للمعارضة الإيرانية.

فهل يؤشر فشل الإنقلاب في تركيا إلى بلوغ المشروع المطروح على المنطقة والمتأرجح بين الوعد بتغيير الأنظمة والتهديد بتغيير خارطة الكيانات مداه الأقصى؟ وهل انتهت مرحلة تفكيك المنطقة ودخلنا في مرحلة إعادة التركيب على قاعدة إنهاء الصراعات الدموية وضمان أمن إسرائيل وتأمين اندماجها الإنسيابي في محيطها؟ 

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات

Twitter: @KMHamade

E-mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(1 تصويت)

الامن الوطني العربي نافذة تطل على كل ما يتعلق بالعالم العربي من تطورات واحداث لها ارتباط مباشر بالمخاطر التي تتهددنا امنيا، ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا... 

           

للتواصل معنا

للتواصل مع ادارة موقع الامن الوطني العربي

editor@nsaforum.com

لاعلاناتكم

لاعلاناتكم على موقع الامن الوطني نرجو التواصل مع شركة كايلين ميديا الوكيل الحصري لموقعنا

editor@nsaforum.com