العناوين

        

مؤتمر فيينا، بين ما تقبل به المملكة وما تعرضه روسيا

24 تشرين1 2015
1640 مرات

في زحمة المدعويين والمتداعين الى طاولة الحوار في فيينا لايجاد تسوية سياسية للازمة السورية تقف المملكة العربية السعودية على ضفة والاخرون جميعا على ضفة اخرى. فاللاعبين المعنيين بالازمة السورية يملكون الان القدرة والوسائل على تاجيج الصراع  الدموي في مرحلة النزاع، والمملكة العربية السعودية وحيدة تملك القدرة دون غيرها على ضمان نجاح اي تسوية سياسية في المرحلة الانتقالية لما بعد التسوية.

فنادرا ما كانت تنتهي الصراعات الدولية بان يقوم طرف بفرض شروطه على الخصم الا في حالات استسلام الخصم غير المشروط بنتيجة خسارته للحرب العسكرية. كما وانه نادرا ما كانت تنتهي النزاعات في زمن الحرب الباردة الا بالتوافق الضمني او الصريح ما بين الجبارين حينها على شكل مقبول من الطرفين على شكل وكيفية انهاء النزاع.

وليس غريبا ان تكون رؤية الولايات المتحدة وروسيا تجاه النزاع في سوريا اقرب مما كانت عليه في اي زمن مضى وتجاه اية ازمة كانا معنيين بها بشكل مباشر او غير مباشر في زمن الحرب الباردة وما تلاها. وجل ما كانا يحتاجان اليه لانهاء النزاع في سوريا هو ايجاد فسحة مشتركة مقبولة من اطراف النزاع للبدء بالتسوية السياسية.

اذ ايقنت الولايات المتحدة ان مقاربتها "لنشر الديمقراطية" كانت الى حد ما مخيبة للامال ولا يمكن ان تكون تطور طبيعي نحو الافضل بمجرد الاطاحة براس النظام. فالتجربة العراقية الملتبسة ادت بعد اثني عشر عاما ودون اغفال سوء الممارسات والمنهجيات السياسية المتبعة منذ بدءها الى توليد ما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامية.

طوال الاربع سنوات الماضية من عمر الازمة السورية لم تخف الولايات المتحدة معارضتها العلنية لاي عمل عسكري يمكن ان يؤدي الى انهيار النظام  من خلال تدمير وسحق الجيش النظامي الذي يحمي النظام. هذه السياسة لا تعني ان الولايات المتحدة تؤيد الرئيس بشار الاسد بل هي تعلم جيدا انه في ظل عدم وجود منظومة عسكرية متماسكة لدى المعارضة المعتدلة  قادرة على مسك وادارة شؤون البلاد في المرحلة التي ستلي سقوط النظام سيكون ذلك سبيلا لتمدد داعش، الامر الذي لا يمكن ان تقبل به الولايات المتحدة.

وفي تطور لافت فقد بدا الاتحاد الاوروبي يتوجس من ازمة المهاجرين المحتدمة في أوروبا وهو منطلق جوهري لتغيير طريقة تفكير صناع القرار في الاتحاد الاوروبي تجاه الازمة في سوريا، والانخراط في تهيئة الظروف الملائمة لانجاز التسوية السياسية.

في المقابل تعلم روسيا جيدا ان تدخلها العسكري في سوريا - الموجه الى ضرب الذراع العسكري للمعارضة اكثر منه الى دحر داعش- لن يؤدي الى حالة الاستسلام غير المشروط للخصم. اذ لن تسمح الولايات المتحدة وخاصة تركيا و اللاعبين الاقليميين المعنيين بدعم المعارضة المعتدلة ان تؤدي العمليات العسكرية الروسية الى هزيمة استراتيجية لفصائل المعارضة.

ناهيك عن  ان تطور مجريات العمليات العسكرية الروسية اظهرت عن تماسك مقبول لقوى المعارضة وقدرتها على ارباك او اعاقة تقدم قوات النظام وتكبيدها خسائر فادحة.  وبالتالي تعلم روسيا حجم التكلفة بالارواح والعتاد التي ستتكبدها القوات الروسية في حال وصول هذه الحرب الى حالة الاستزاف في ظل عدم توافر حل سياسي للازمة.

 كما تعلم روسيا جيدا ان تدخلها العسكري المباشر في الازمة السورية ومن خلال حلف يضم كل من النظام السوري، ايران، وحزب الله يمكن ان يؤدي الى حرب اقليمة شاملة في حال انحرافها عن المسار المخطط له بالتوافق الضمني مع الولايات المتحدة واسرائيل.

 "بالتاكيد من الضروري التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية."

 هذه هي الدعوة التي اطلقها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والتي تقضي بضرورة  التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية في سوريا معلنا بذلك بدء المسار التفاوضي الحقيقي لانهاء الازمة السورية على امل ان يتم  تحريك العملية السياسية في مستقبل قريب، بمساعدة الاطراف الخارجية، لجمع كل السوريين على طاولة المفاوضات.

تامل روسيا ان يؤدي تدخلها العسكري الى النجاح في جمع كافة اطراف النزاع السوري على طاولة المفاوضات، وهي اطلقت سلسلة من الجهود الدبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين المعنيين بانهاء الصراع واعلن ايضا سيرغي لافروف وجون كيري انهما توافقا على درس الامكانات الجديدة للتوصل الى اتفاق سياسي لتسوية النزاع في سوريا.

جاء هذا الموقف اثر الاعلان عن اتفاق بين روسيا والاردن الذي انضم الى التحالف المناهض لتنظيم الدولة الاسلامية بقيادة اميركية لتنسيق انشطتهما منها انشطة القوات الجوية في سوريا. وتكون بذلك روسيا استطاعت نسج حد ادنى من التفاهمات من المنظور الجيوبوليتيكي مع المعنيين مباشرة بالازمة السورية كتركيا الاردن واسرائيل تضمن لها عدم حصول اي مواجهات عسكرية غير مرغوب بها.

جنيف واحد منطلق للتسوية السياسية

منذ بدء الثورة وطوال الفترة التي تلتها لم يختلف المعنيين بالصراع السوري بوجوب توافر حل سياسي لانهاء الازمة. الا ان الاختلاف كان واضحا لجهة رؤية كل طرف لخارطة الطريق لانجاز التسوية ودور الرئيس بشار الاسد في هذه التسوية. كما توافق المعنيين بالازمة ان جنيف واحد يشكل اطارا صالحا لانهاء النزاع وهذا ما اعلنه وزير خارجية المملكة العربية السعودية عن ان هذا الاتفاق يشكل مرتكزا مقبولا للتسوية في سوريا. ومن اهم ما جاء في هذا الاتفاق:

  • إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية. وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، ويجب أن تُشكّل على أساس الموافقة المتبادلة.
  • الشعب السوري هو من يقرر مستقبل البلد. ولا بد من تمكين جميع فئات المجتمع ومكوناته في الجمهورية العربية السورية من المشاركة في عملية الحوار الوطني. ويجب ألا تكون هذه العملية شاملة للجميع فحسب، بل يجب أيضا أن تكون مجدية وتستطيع ان تؤدي الى تحقيق اهدافها الرئيسية.
  • على هذا الأساس، يمكن أن يعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية. وأن تُعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام.
  • بعد إقامة النظام الدستوري الجديد، من الضروري الإعداد لانتخابات حرة ونزيهة وتعددية وإجراؤها لشغل المؤسسات والهيئات الجديدة المنشأة.

لماذا المملكة العربية السعودية دون سواها؟

دلت مجريات الاحداث منذ نشاة الازمة السورية ان كافة المعنيين قادرين على اطالة عمر الازمة من خلال الدعم العسكري والمادي لاطالة عمر الازمة. من السهل تاجيج الصراع العسكري لكنه من الصعب او شبه المستحيل فرض تسوية سياسية بمجرد الاعلان عن نية روسيا "بدعم انتخابات رئاسية او تشريعية او حتى دعم المعارضة لتوجيه ضربات ضد داعش"

استطاعت المملكة العربية السعودية انتهاج مسار متزن في توليها لزعامة العالم العربي ومن هنا فهي اللاعب  الوحيد القادر على ضمان نجاح اي تسوية سياسية في سوريا. فقد استطاعت المملكة انهاء الازمة اللبنانية بانجاز اتفاق الطائف الذي كان الضامن للانتقال السلمي للتسوية السياسية لمرحلة ما بعد الحرب الاهلية.

فهل من الممكن انجاز اتفاق "طائف فيدرالي سوري" برعاية دولية وضمانة المملكة العربية السعودية يضمن وحدة سوريا واستقلالها؟

على الرغم من ضجيج العمليات العسكرية في سوريا الا ان التسوية تقف اليوم حصرا عند حدود ما تعتبره المملكة مقبولا كمنطلق لانجاز التسوية وليس ما ستقوم بعرضه روسيا او فرضه كامر واقع عسكري. في المقابل تعلم المملكة ان مطلب ازالة راس النظام قبل المباشرة باي تسوية اصبح امرا غير واقعيا اليوم في ظل ممانعة الولايات المتحدة وروسيا لهذا الاجراء.

نقطة الارتكاز لاي حل سياسي في سوريا اصبحت ضمن المثلث الاميركي الروسي والسعودي. لا سيما بعدما تبلورت نتائج القمة الروسية السورية بان روسيا لن تتخلى عن دعمها للنظام لكنها في المقابل لن تتردد في تقديم بعض التنازلات اذا اقتضت التسوية السياسية ذلك. وان شكل وحدود هذه التنازلات سترسمها التطورات العسكرية للحملة العسكرية لبسط سلطة النظام على المساحات التي تشغلها المعارضة المعتدلة.

تقضي بديهيات التفاوض تقديم بعض التنازلات لانهاء الازمات ووجوب ان يخرج المتحاورين معتبرين انهم حققوا انتصارا واستطاعوا نيل ما كانوا يبتغونه. لكن بالدرجة الاولى يشترط نجاح التفاوض ان يظهر المعنيين بالتفاوض وكانهم لم يقدموا تنازلات اقله بشان موقفهم المبدئي حول اسباب نشأة النزاع.

التسوية السياسية للازمة السورية وان طالت تنتظر فقط امكانية قبول المملكة العربية السعودية بان "مصير الاسد سيحدده الشعب السوري" لذلك من المرتقب ان نشهد حراكا دبلوماسيا عربيا على خط الاردن، مصر وتركيا لبلورة افاق التسوية التي من الممكن ان تقبل بها المملكة وتتولى قيادة انجازها لضمان نجاح التسوية السياسية للمرحلة الانتقالية التي يدعو الجميع الى التسريع في انطلاقتها مع او بدون الرئيس بشار الاسد.

 سيخرج الجميع من طاولة التفاوض منتصرا باستثناء الشعب العربي السوري...

{jcomments on}

آخر تعديل على الأحد, 06 كانون1/ديسمبر 2015 14:58
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الامن الوطني العربي نافذة تطل على كل ما يتعلق بالعالم العربي من تطورات واحداث لها ارتباط مباشر بالمخاطر التي تتهددنا امنيا، ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا... 

           

للتواصل معنا

للتواصل مع ادارة موقع الامن الوطني العربي

editor@nsaforum.com

لاعلاناتكم

لاعلاناتكم على موقع الامن الوطني نرجو التواصل مع شركة كايلين ميديا الوكيل الحصري لموقعنا

editor@nsaforum.com