لا يمكن وصف التعاطي الدولي مع قضايا الشرق الاوسط إلا “بغير المسؤول”، بل والعبثي إذا ما قيس بما يمر به الشرق الأوسط العربي منذ 2011. وهنا يجب عدم التعميم أو الخلط بين الخاص والعام، فالوعي المدني التونسي أنتج واقعا مختلفا، في حين أن الدول التى هُجِّر منها الوعي المدني واستبدل باخر ديني طائفي، أنتج حروبا أهلية. وهذا ما استشعرته بعض دول الخليج العربي مبكراً، ما حتم عليها الاضطلاع بمسؤولياتها الوطنية أولا، والإقليمية ثانيا للحيلولة من الانزلاق في أتون عدم الاستقرار .

اعتداءات باريس الإرهابية أثبتت للجميع مبدئية موقع “الأمن” وطنياً لا قيمياً أو سياسيا عند استهدافه لأمن وسلامة المجتمع، لدرجة أن الرئيس الفرنسي هولاند طالب البرلمان بإقرار حزمة تشريعات غير مسبوقة تحت قانون الطوارئ تجيز “التوقيف الإداري، والتفتيش دون مذكرات، بالإضافة لإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة شهور”. وقد أجاز البرلمان الفرنسي ذلك في 19 نوفمبر 2015. الرئيس الفرنسي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بعد التأكد من مسؤولية تنظيم داعش عن اعتداءات باريس في 13 نوفمبر 2015، حيث سارع لوصفها “إعلان حالة حرب على فرنسا”. ولذلك دلالات سوف تتعدى استهداف داعش في الرقة عبر الجو فقط، فكل التحضيرات دبلوماسيا و عسكريا، تنبئ بأن فرنسا مع حلفائها الأوروبين (خارج إطار  حلف الناتو)، سيكون لهم جهد ميداني في سوريا، ولربما في ليبيا لاحقا. وقد لحظنا بوادر ذلك في التعاطي الفوري والحازم مع أزمة الرهائن في باماكو – مالي.

أوروبا اليوم تعاني من استهداف الإرهاب لسلامة أمنها بهدف تغيير مواقفها من قضايا مبدئية. لذلك جاء الرد الأوروبي متناسباً وحجم التهديد، وها هي تتخذ من التشريعات ما يتناسب وأخطار الإرهاب المادية والمعنوية. فالإرهاب يستهدف زعزعة ثقة المواطن بوطنه قبل أي شيء آخر ، ما حتم عليها أن تقبل إعلان حالة الحرب على كل ما تمثله ثقافة فكر الإقصاء والكراهية المستتر بالدين.

الأمن يقع خارج منظومة “الممكن” في السياسية، لذلك أقدمت البحرين، والسعودية ومن بعدهما دولة الإمارات العربية المتحدة على وضع قائمة بكل التنظيمات التي تمثل تهديداً للسلم والأمن المجتمعي. فتهديد أمن أي مجتمع آمن يعتبر تهديداً مباشراً للأمن القومي لأي دولة، ما يستوجب أن يُقابل بكل حزم وصرامة. وأوروبا المدنية اليوم، مع تفاوت الواقع السياسي والمدني، أدركت ماهية الارهاب لا أدواته من أعمال إرهابية فقط. لذلك هي اليوم أقرب إلينا وشريكة لنا في التصدي لحواضن ذلك الفكر ومؤسساته المتشعبة عبر أوروبا. فالإرهاب في حقيقته أداة لفرض عدم الاستقرار والقابلة للتوظيف من أكثر من طرف والتي في أغلبها مستتر  خلف مسميات مدنية أو روحية.

من عانى من إرهاب وعبثية تلك التنظيمات يملك الدراية وآليات عملها مؤسساتياً، و على أوروبا أن ترى فينا ذلك الشريك القادر على اجتثاث تلك المنابع هنا وهناك.

بعض الدول الأوروبية شككت في موقفنا من تنظيم الإخوان، واليوم نحن ندعوها لمراجعة موقف عرّابي الإخوان من غزو القاعدة جمهورية مالي في 2013، وموقفهم من تحرير الرهائن في باماكو يوم الجمعة الماضي. لقد آن الوقت ليتوقف الجميع اليوم عن محاولة تبيان الخيط الأبيض من الأسود بين تنظيم الإخوان والقاعدة أو داعش، فكلها نبت  يتفرع تقلمه خناجر المرشد.

You may also like
Latest Posts from

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *