بقلم العميد الركن خالد حمادة*

إعلان التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب من الرياض في 15 كانون الأول/ديسمبر الجاري هو خروج بارز عن المألوف في مسارات إضطلاع المكوّن العربي – الإسلامي بمسؤوليته الإقليمية في مكافحة الإرهاب، الذي يشكّل الآن التهديد المحوري للسلم والأمن الدوليين. عاصفة الحزم التي أعادت الشرعية إلى اليمن وساهمت في إطلاق مسار سياسي للأزمة، شكّلت أول الغيث، وإعلان إطار إقليمي ذو توجه عسكري وفكري في آن، من عاصمة عربية، هو علامة فارقة منذ إعلان جامعة الدول العربية من القاهرة تشكيل قوات الردع العربية عام 1976 لوقف الحرب اللبنانية التي تحوّلت بعد فترة وجيزة ذراعاً عسكرية سورية لنظام وصاية قضى على مقوّمات الحياة السياسية في لبنان .

تموضع التحالف الإسلامي يأتي بعد فشل متراكم للمجتمعين الدولي والعربي في حماية ثورات الربيع العربي في مناداتها بالديمقراطية والعدالة الإجتماعية، وفي وقف جولات العنف اللامتناهية  التي لا زالت تدور رحاها في كلّ من سوريا واليمن وليبيا. اللاعبون الإقليميون والدوليون حوّلوا الساحات العربية إلى صناديق لتبادل الرسائل، وحوّلوا الثوار إلى وقودٍ لطموحاتهم الإقليمية ولتصفية حساباتهم. التطرف الديني كان المحفّز الأبرز لاستثارة الغرائز ولاندلاع العنف المذهبي في كلّ مسارح الإقتتال المفتوحة. غلاة المتطرفين كانوا الأكثر جاهزية للذهاب إلى أبعد الحدود.  ضاعت أحلام الربيع العربي بين إجرام من تبقى من الأنظمة وإرهاب من اندسوا في صفوف الثورة.

 سياق الأحداث التي رافقت الإعلان عن التحالف تُلقي الضوء على الوظائف والأدوار التي يمكن أن تكون الدول الإقليمية مرشّحةً لها، كما تؤشّر إلى مستقبل التسويات والتوازنات التي ستتحكّم بملفات الأمن والإقتصاد والإستقرار على امتداد منطقة الشرق الأوسط:

مصادقة قادة دول مجلس التعاون الخليجي في القمة التي عُقدت في 9 و10 كانون الأول المنصرم على قرارات مجلس الدفاع المشترك بشأن مجالات العمل العسكري المشترك، وفي مقدّمتها الخطوات الجارية لتفعيل القيادة العسكرية الموحدة، وترحيب المجلس الأعلى بقرار مجلس الأمن رقم 2249، الذي صدر بشأن مكافحة الإرهاب والتصدي لتنظيم «داعش» والجماعات الإرهابية، والتشديد على تنفيذ مخرجات قمة كامب ديفيد في مايو 2015 وتعزيز الشراكة الإستراتيجية القائمة مع المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية.

توصّل المشاركين في مؤتمر المعارضة السورية في  الرياض10-11 كانون الأول إلى «إعلان مبادئ» تضمن سبع نقاط هي: «وحدة سوريا أرضاً وشعباً، سوريا دولة ديموقراطية ومدنية، إحتكار الدولة لحصرية السلاح واستخدامه، رفض الإرهاب بأشكاله كافة بما فيه إرهاب الدولة، رفض وجود المقاتلين الأجانب كافة والمطالبة بانسحابهم، إلتزام مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان والشفافية والمساءلة وسيادة القانون، والحفاظ على مؤسسات الدولة» إضافة إلى ورقة مرجعية سياسية نصت على «إلتزام بيان جنيف-١» وقرار مجلس الأمن ٢١١٨ المتعلّق بتشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة والتزام «الحل السياسي للأزمة السورية»

توقيع إتفاق الصخيرات بشأن الأزمة الليبية في 17 كانون الأول الجاري، الذي ينصّ على تشكيل حكومة وفاق وطني تقود مرحلة إنتقالية تنتهي بإجراء إنتخابات تشريعية بعد عام، وتوسيع المجلس الرئاسي ليتكوّن من تسعة أشخاص، رئيس وخمسة نواب وثلاثة وزراء دول. كما ينصّ على أنّ تتشكّل السلطة من ثلاث مؤسسات رئيسية، وهي مجلس النواب، مجلسُ الدولة ومجلس رئاسي.

إنتهاء الجولة الأولى من المفاوضات بين الحكومة اليمنية والحوثيين في سويسرا بعد إعلان وقف إطلاق النار على أن تستأنف في 14 كانون الثاني (يناير) المقبل. وعلى الرغم من عدم إحترام وقف النار خلال المحادثات التي استمرت سبعة أيام، أكدّ ولد الشيخ أحمد أنها أحرزت « تقدّماً كبيراً بالإتفاق على تشكيل لجنة عسكرية مهمتها تثبيت الهدنة وبناء جسور الثقة من خلال إطلاق المعتقلين».

نجاح مجلس الأمن في التصويت بالإجماع على قرار بوقف إطلاق النار في سوريا وانطلاق المفاوضات بين المعارضة السورية والنظام على قاعدة تطبيق مقررات «مؤتمر جنيف 1» و«مؤتمر فيينا 2» حيث أكدّ وزير الخارجية الأميركي جون كيري أنه ليست لديه «أي أوهام» في شأن صعوبة إنهاء النزاع.

نحن أمام  تجربة فرض القوى الكبرى التسوية من الخارج، بعد تعثّر الأطراف الوطنية وعجزها عن إيجاد صيغة توافقية، القوى الدولية أمام تحدٍّ كبير لاستعادة المبادرة وإثبات قدرتها على فرض الحلول على القوى المحليّة والقوى الإقليمية وإعادة الإستقرار إلى سوريا وليبيا واليمن. روسيا أمام تحدي إستعادة دورها على الساحة الدولية وتطويع إيران التي اعتادت التأثير في الصراعات الإقليمية، والحدّ من طموحات تركيا ومحاولتها تسجيل النقاط على حسابها. الحاجة الملّحة إلى الحرب على الإرهاب ألزمت كلّ من الولايات المتحدة وروسيا على فرض حلول للضرورة لأزمات سياسية وتوترات في دول تتفكك مكوّناتها على خلفيات مذهبية.
إنّ نجاح التحالف الإسلامي الذي بادرت المملكة العربية السعودية إلى إعلانه، يكمن في تحوّله إلى قوة برية تقوم بدور القوات الميدانية المكمّلة لغارات التحالف الدولي وتستجيب للحاجة الملّحة بإنشاء مناطق إنسانية آمنة، ويؤسس لطرح مسألتي الراديكالية الشيعية التي ترعاها إيران والراديكالية السنية التي تتطلب جدية محاربتها من الدول العربية وتركيا بإجراءات على الأرض وبمساهمة ميدانية عبر قوات عربية واسلامية في الحرب على «داعش».

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات
Twitter: @KMHamade
E-mail: khaledhamade@rfcs-lb.org

{jcomments on}

You may also like
Latest Posts from

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *